جمعية الصحفيين السودانيين ،،

المقالات
جديد.. جديد
السودان بلد يفتقد الخيال
د.حسين حسن حسين

 
أراني أحد الأصدقاء جدار شقته التي في الدور الأخير من العمارة التي يقطنها، فوجدته وقد تشرب ماء المطر الذي غمر الخرطوم مساء الأمس، وأوضح صديقي أن شركة متخصصة نفذت العمل الهندسي والمعماري، وفيها خبراء صينيون، وتذكرت حينها يوم احتد النقاش بين الدكتور بشير عمر وزير مالية ما قبل انقلاب يونيو 1989م والدكتور أحمد مجذوب وزير الدولة للمالية في الندوة التي نظمتها جمعية الصحفيين السودانيين بالسعودية بعنوان “تأثيرات سياسة الدولة الاقتصادية في المغتربين: انخفاض الدولار وارتفاع الأسعار نموذجاً” في يوم 24سبتمبر2006م في مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة، بحضور سعادة سفير السودان آنذاك لأستاذ محمد أمين الكارب، والسفراء والمستشارين الاقتصاديين في سفارات السودان في دول الخليج العربي.
ففي ذلك النقاش تطرف المجذوب في مهاجمة الديمقراطية الثالثة، مفاخراً بإنجازات الإنقاذ، وكان مما زعم أن تعبيد الطرق من أهم تلك الإنجازات، فرد عليه الدكتور بشير بأن الطرق كان مخططاً تعبيدها وتطويرها في العهد الديمقراطي، وكان التنفيذ – حسب قوله-سيتم من خلال أكبرى الشركات الأوربية، منتقد إيكال الإنقاذ أمر الطرق إلى الشركات الآسيوية، وبخاصة الماليزية والصينية، موضحاً الفارق بين الخبرتين الأوربية والآسيوية.
وبدا لي ذلك الفارق واضحاً وأنا أرى الخرطوم تغرق في (شبر موية)، وطال الأمر منازل كثيرة نفذتها الشركات الآسيوية، التي يعرف عن بعضها الدقة والإتقان، ولكن عندما تجد بيئة صالحة للفساد والإهمال، فإنها تجاري ولا تبالي، ولا أدل على ذلك من بعض الطرق التي تحصد الأرواح لما بها من أخطاء فنية فادحة.
ولزائر السودان، فإن أول ما يعبر عن هذه البيئة العدائية للدقة والإتقان مطار الخرطوم الذي يبدو في مستوى أدنى من أي مطار داخلي في أكثر الدول فقراً، فالكاونترات الخاصة بالجوازات كأنها أقفاص دجاج، والصالة كأنها سوق الاتنين أو الخميس الشعبي، الذي يعرف بزحامه، وفوضويته في معظم بلادنا العربية.
ولا علاقة لهذا الوضع المزري بالماديات، فالإعلانات تغطي جدران الصالة وكل جنباتها، مما يعني دخلاً مادياً لا بأس به، وهي تأتلف -أي الإعلانات- مع بيئتها في القبح وانعدام الذائقة الفنية، والأسلاك مبعث آخر للقبح، فهي تتدلى من أعلى الأسقف والجدران، مضيفة بؤساً لا حد له على المكان.
وتأتي للسير لأخذ أمتعتك فتجد شيئاً لم يسبق لك أن رأيته في أي مطار، فهو شيء أسود يتراكم بعضه فوق بعض، مع تآكل في الأطراف، وتلف في كثير من الأجزاء، والعمال الذي يدفعون الأمتعة دفعاً في صراع مع السير العصي يدعون إلى الشفقة والعطف، فهم يبدون في سن المعاش، حتى قال أحدهم إن هؤلاء تركوا من أجل أن يسترزقوا.
ويبدأ عملهم برفع الأمتعة من الطائرة إلى العربات، ومنها إلى السير، ثم يدفعونها حتى يساعدوا السير المنهك لكي يمضي بالأمتعة، وأصحابها يتلظون بحر المكان، كأن لا اختراع اسمه التكييف المركزي، الذي يظهر هو الآخر بشكل مزرٍ، فهو لا يكتفي بعجزه بل يساهم في سيمفونية القبح، التي تنبعث من كل أرجاء المكان.
وهذه الصالة كان يمكن أن يتبدل حالها ببعض الخيال، فتصوروا إذا شارك طلاب كليتي العمارة والفنون في تجميلها سواء في تصميمها العام، أو في وضع لمسات جمالية عليها من خلال تصميم اللوحات الإرشادية والإعلانات ورسم جداريات تبرز التراث الوطني الثر.
ويمكن أن ينسحب الأمر على كثير من المرافق التي تعاني الإهمال في صيانتها وتجميلها، والمصيبة أن القطاع الخاص لم يحاول أن يغير شيئاً من العداء السافر للجمال الذي يسود كل مكان في عاصمة البلاد، فشارع النيل على سبيل المثال يزدحم بالكافتيرات والمقاهي (كوفي شوب)، ولكن جميعها يفتقد إلى الحس الجمالي، فالهوية غائبة عن المكان، والفوضى سائدة في اختيار الألوان والأثاث، بل حتى الألعاب، والمراكب التي تمثل متنفساً للناس، لكي يشعروا بأنهم كبقية خلقة الله متاح لهم التنزه والاعتزاز بهبة الله التي لم نتعب في إيجادها، هذه المراكب مثال للقبح في التصميم، والتجهيز، بل إن العمالة التي تتولى أمرها لا تمتلك أي قدرات في التعامل مع المرتادين، والعجب أن أغلبهم من غير السودانيين والسودانيات، الذين يشكون من العطالة، ثم يعزفون عن العمل في مهن كثيرة شريفة.
لا أريد أن أستطرد، ولكن أستطيع أن أقول إننا في بلد يفتقد إلى الخيال الذي يتيح لنا أن نوظف إمكاناتنا الطبيعية حتى تلبس حلة جميلة نستمتع بها ونباهي الآخرين، أما حكاية أن منا كثيرين يعانون من خراب الذمة فهي قديمة.

نشر بتاريخ 25-09-2016  

 

أضف تقييمك

التقييم: 1.76/10 (33 صوت)


 





المركز السوداني

---------------

جريدة الصحافة

--------

جريدة الوطن

--------

قوون الرياضية

-----------

جريدة المشاهير

------------


 
البطاقاتϖالجوالϖالصورϖالصوتياتϖالفيديوϖالمقالاتϖالأخبارϖالمنتدياتϖالرئيسية
Powered byv2.0.0
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.sudanja.net - All rights reserved